أرض التضحية

إيدو هارتمان

كازاخستان، أكبر دولة في آسيا الوسطى، كانت حتى عام 1991 جزءًا رئيسيًا من الاتحاد السوفيتي. خلال الحرب الباردة، تحولت أجزاء واسعة من سهولها إلى مختبر نووي مفتوح، بعيدًا عن أعين العالم وفي غاية السرية. على مدى عقود، أصبحت هذه الأراضي موقعًا لتجارب نووية مدمرة دون أي اعتبار للسكان المحليين، الذين تحملوا آثارها المدمرة. هذا الماضي المؤلم عاد إلى الواجهة مع التوترات السياسية والعروض الأخيرة للقوة من قبل الحكام الحاليين لروسيا.

مسلحًا بحامل ثلاثي القوائم، كاميرا متوسطة الحجم، وجهاز قياس الجرعات الإشعاعية الضروري، زار المصور إيدو هارتمان المنطقة المتضررة، المعروفة اليوم باسم "المضلّع". على مدار عدة مواسم، وثق هارتمان المناظر الطبيعية المتضررة وسكانها. صور الشهود العيان الذين عاشوا التجارب النووية، إلى جانب الأجيال الحالية التي ما زالت تتعامل مع هذا الإرث الثقيل بطرق مختلفة.

الحياة في سهوب كازاخستان كانت دائمًا قاسية. المناخ شديد التطرف، حيث الصيف الحارق والشتاء القاسي، يصاحبه عواصف ترابية وثلجية، ما يشكل تحديًا دائمًا لقدرة الناس والحيوانات على التحمل.

في العقدين الماضيين، شهدت سهوب كازاخستان تحولًا مع التحديث والتمدن. العديد من الكازاخيين انتقلوا إلى المدن والقرى، متبنين أنماط حياة أكثر استقرارًا. ومع ذلك، لا تزال بعض المجتمعات متمسكة بعاداتها التقليدية، محافظةً على ارتباطها العميق بالسهوب وتراثها البدوي الذي يميزها عبر الأجيال.


منظر محزن

يُعرف شعب كازاخستان بكرم ضيافتهم ودفئهم وروحهم المجتمعية القوية. وقد ساهمت مواردهم الطبيعية الغنية من المعادن والطاقة في تحقيق نمو اقتصادي ملحوظ، أدى إلى التوسع الحضري. ومع ذلك، تحتفظ كازاخستان بكثافة سكانية منخفضة نسبيًا، حيث يعيش حوالي 18 مليون نسمة على مساحة شاسعة تبلغ 2.7 مليون كيلومتر مربع، أي ما يعادل سبعة أضعاف مساحة ألمانيا.

خضعت كازاخستان للسيطرة الروسية لقرون وكانت جمهورية سوفيتية حتى حصلت على استقلالها في عام 1991. رغم التوسع الحضري، لا تزال البلاد ترتبط بعمق بإرثها البدوي، حيث تشكل تربية الحيوانات جزءًا أساسيًا من ثقافتها وتقاليدها. يعيش معظم السكان في مجتمعات زراعية صغيرة منتشرة عبر السهوب. ومع ذلك، فقد واجهت البلاد تحديات كبيرة بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، بما في ذلك التضخم الجامح، الركود الاقتصادي، والبطالة.

ركز المصور إيدو هارتمان عدسته على حياة السكان في سهول مقاطعتي بافلودار وكاراجندا في شرق كازاخستان، حيث تنتشر بقايا الماضي السوفيتي من مجمعات صناعية ومدن مهجورة. في صوره، نادراً ما ينظر الأشخاص مباشرة إلى الكاميرا، ما يدفع المشاهد إلى متابعة نظراتهم والتوغل في عوالمهم. ترتبط الأشكال البشرية دائماً بالخلفية المحيطة، سواء كانت حقلاً، منزلاً، مصنعًا متداعيًا، أو طريقًا متهالكًا، مما يجعل البيئة جزءًا لا يتجزأ من القصة.

اليأس هو المحور العاطفي في سرد هارتمان البصري. كل صورة تستكشف أدق التفاصيل: أسطح حجرية أو نباتات أو قطع أسفلت، مما يعزز الشعور بالمعاناة. تصبح الأشكال البشرية في أعماله جزءًا من هذه المناظر الطبيعية المتألمة، ما يخلق سردًا قويًا للحياة في ظل إرث الماضي.


إلى منتصف الحياة

في صور إيدو هارتمان الفوتوغرافية، تتجلى تجربة الحياة والبقاء في سهول كازاخستان القاسية من خلال الفراغ الشاسع الذي يبدو بلا نهاية. أحد أبرز معالم أعماله هو التوثيق الذي قام به في قلب منطقة التجارب النووية، المشهورة بتركيزاتها العالية من الإشعاع وصعوبة الوصول إليها. بجانب عداد جايجر، تُعد الملابس الواقية ضرورة حيوية للتصوير في هذه الظروف القاسية، مما يضيف تحديات عملية إضافية لعمله.

في المناطق الأكثر تلوثًا، استخدم هارتمان كاميرا تعمل بالأشعة تحت الحمراء، حيث رأى العالم بشكل مختلف تمامًا. في هذا الجزء من الطيف الضوئي، يتحول اللون الأخضر للسهوب إلى درجات من الأحمر الكثيف، مما يمنح الصور طابعًا يشبه مشاهد من أفلام الخيال العلمي. هذا التأثير يتعزز من خلال العناصر السريالية في الصور، مثل الحفر المليئة بالمياه والإنشاءات الخرسانية، التي تتحول إلى رموز بصرية تُبرز الدمار البيئي الذي حل بالمناظر الطبيعية.

تقنية تصوير الأشعة تحت الحمراء التي استخدمها هارتمان مستوحاة من فيلم إيروكروم الشهير الذي طورته شركة كوداك في أربعينيات القرن الماضي، والذي استُخدم بشكل رئيسي للأغراض العسكرية والعلمية. كان الفيلم فعّالًا للغاية في الكشف عن التمويه، إذ إن المواد المموهة لا تحتوي على الكلوروفيل، وبالتالي تظهر بوضوح مقابل أوراق الشجر. ولا يزال هذا النطاق من الطيف مستخدمًا على نطاق واسع في مجالات علمية مثل الفلك ومراقبة صحة المحاصيل.

على الرغم من التاريخ السام لهذه المنطقة، لا تزال القرى الصغيرة المحيطة بها مأهولة بالسكان، الذين يواصلون حياتهم اليومية كما لو أن المخاطر غير موجودة. يُسمح للمواشي بالرعي في المناطق المشعة، ويصطاد السكان المحليون الأسماك من الحفر الملوثة، مما يؤدي إلى دخول المواد المشعة إلى السلسلة الغذائية. صور هارتمان تسلط الضوء على هذا التعايش الغريب بين الحياة والكارثة البيئية، مقدمة شهادة قوية عن آثار التجارب النووية على الإنسان والطبيعة.