النهر الأسود: حكاية التعدين
ليس أرانجو
استقر أجدادي في حوض التعدين بمنطقة أستورياس في إسبانيا خلال الخمسينيات من القرن الماضي، في وقتٍ كان فيه تعدين الفحم يشكّل المحرك الرئيسي للتنمية الاقتصادية في المنطقة.
نشأ والدي في تلك الوديان الضيقة المحاطة بالجبال، حيث كان النهر يكتسي بالسواد، وكانت صفارات الإنذار تعلن كل يوم عن بدء رحلة العمال إلى أعماق الأرض.
في عام 1985، بدأت سلسلة واسعة من الإضرابات العامة التي هدفت إلى التصدي للتصحر الصناعي في حوض التعدين. ومع ذلك، أدى انضمام إسبانيا إلى الجماعة الاقتصادية الأوروبية إلى تسريع العد التنازلي للإغلاق النهائي للمناجم. وفي عام 2023، توقف منجم سان نيكولاس عن العمل، ليُسدل الستار على تاريخ الفحم في إسبانيا.
ترك هذا التراجع أثرًا عميقًا على كل من الطبيعة والسكّان. لا تزال أبراج التعدين الصدئة شاهدة على ماضٍ صناعي، بينما بدأت الطبيعة تستعيد المساحات المفقودة. وفي القرى، أغلقت مئات المنازل والمتاجر أبوابها، ومع ندرة فرص العمل، يغادر الشباب بحثًا عن مستقبلٍ أفضل، بينما يعيش من بقوا على ذكريات الأيام التي كانت فيها المنطقة تعج بالحياة وتستقطب العمال من جميع أنحاء إسبانيا، عندما ازدهرت حياة مجتمعية نابضة بالحيوية.
ولدتُ في مدريد، بعيدًا عن هذه الأراضي الشمالية التي تحمل رمزية نضال العمال. ومع ذلك، شعرت برغبة عميقة في العودة إلى مسقط رأس عائلتي من جهة والدي، لتوثيق نهاية هذه الحقبة وجمع حكايات آخر عمال المناجم.
اليوم، يجري النهر نظيفًا، لكنه يروي قصة ماضٍ ثقيل. ومع كل يوم يمر، يقل عدد الأشخاص الذين يتوقفون للتأمل في جماله واستذكار تاريخه.