ما بعد الطوفان
مصطفى بيلغه ساتكين
يستكشف هذا المعرض التدهور البيئي والتحولات القسرية في أنماط العيش التي عانت منها مجتمعات في شمال شرقي تركيا وجنوبها الشرقي نتيجة إنشاء سدود عملاقة. ففي واديي دجلة وتشوروه، غمرت المياه المتصاعدة مستوطناتٍ قديمة ومواقع مقدسة وإرثاً ثقافياً يمتد من 5,000 إلى 10,000 عام. كما أُجبر أكثر من 20,000 شخص من خلفياتٍ عرقية متنوعة على النزوح، تاركين وراءهم أراضي زراعية خصبة وتقاليد عمرها قرون في الزراعة وتربية المواشي.
وأربك الانتقال من الحياة الريفية إلى بيئات حضرية حديثة سبل العيش، ولم يقتصر أثره على الاقتصاد اليومي، بل امتد إلى التراث الثقافي غير المادي، بما يشمله من لغات محلية وطقوس وعادات. وفي الوقت نفسه، تزيد التحولات البيئية، وتبدّل المناخات المحلية الدقيقة، واختفاء أنواع من النباتات والحيوانات، وإعادة تشكيل المشاهد الطبيعية، من تعقيد التحديات التي يواجهها النازحون.
وتستحضر هذه التحولات العميقة أسطورة طوفان نوح، لكن بصياغة جديدة بوصفها طوفانًا من صنع الإنسان. فمن خلال الحضور الطاغي للماء، يتقاطع الخيال والواقع، كاشفَين كيف تعيد التنمية والتغيرات البيئية تشكيل الأرض والمجتمع والذاكرة الجمعية.